ترامب : ما بين استدراج إيران له الى المواجهة وتحدّي تركيا له الى المبارزة

 
العرب نيوز (رؤوس -  اقلام )  بقلم الزميلة راغدة درغام - لا توجد مؤشرات الى ارتخاء في الاستراتيجية الإيرانية القائمة على استفزاز ردٍّ عسكري أميركي تفضّله طهران على استمرار سياسة الخنق الاقتصادي التي
يعتمدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب والتي أدّت الى تدهورٍ اقتصادي يهدّد بقاء النظام ومشاريعه الإقليمية.
 
الوساطات اليابانية والعمانية والألمانية والعراقية والروسية وغيرها ما زالت في خانة الرفض الإيراني لها بالذات مِن قِبَل التيّار المتشدّد في السلطة بغض النظر عن مواقف استهلاكية للرئاسة الإيرانية، والتي بدورها تصطدم بشروطها التعجيزية.
 
الرئيس ترامب ما زال يرفض الإنجرار الى الإستدراج العسكري ما لم تتخذ الإجراءات الإيرانية منحى الهجوم على مصالح أميركية مباشرة. عندئذ لكل حادث حديث. وفي حال تطوّر الأمور الى درجة المواجهة العسكرية، سيلغي الرئيس الأميركي مشاركته في قمة العشرين في أوساكا في 28 الجاري، حسبما نقلت المصادر عن مسؤولين رفيعي المستوى، مما سيصفع مختلف الملفات التي يتطلّع القادة الى طرحها في القمة المهمّة واجتماعات قادتها الثنائية. الكلام عن احتمال ترتيب لقاء بين الرئيسين الأميركي والإيراني في أوساكا يدور في عدة عواصم، لكنّ صعوبة الترتيبات العملية لمشاركة الرئيس حسن روحاني كضيف على القمة بدرجة ثانية للدول الأعضاء في مجموعة الـعشرين – وبينها السعودية وتركيا – هي التي قد تؤدّي الى عدم اتمام اللقاء.
 
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ينوي طلب اللقاء مع الرئيس ترامب للبحث في التهديدات الأميركية بطرد الطيارين الأتراك في أعقاب إيقافهم عن التدريب على طائرات F-35 طالما يرفض أردوغان الغاء صفقة S-400 مع روسيا. ما سيسمعه أردوغان من ترامب، حسبما تؤكد المصادر، سيكون صارماً وحازماً لأن حلف شمال الأطلسي (ناتو) له الأولوية على أيٍّ من يسهّل اختراقه أمنياً عبر المنظومة الروسية S-400 المضادة للصواريخ.
 
هذه الأزمة ستزداد حدّةً ما لم يتوصّل أردوغان مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين الى صيغة نزع الفتيل من خلال تأجيل موعد تسليم موسكو S-400 الى أنقرة لشراء الوقت. المباحثات مستمرة بين الرئيسين في هذا الأمر، هاتفياً، والأرجح أن يجتمعا وجهاً لوجه في أوساكا. الاجتماع الذي يريده الرئيس الروسي أن يكون اجتماع عمل وفق أجندا واضحة مع الرئيس الأميركي قد ينكمش الى مجرد "تناول الشاي" حسب تعبير أحد المصادر وذلك لأن الطرف الأميركي لا يريد اجتماعاً بأجندا طالما أزمة البحّارة الأوكرانيين لم تتم معالجتها، وطالما تتباعد المواقف الأميركية والروسية في عدة ملفات، وطالما تسّتعد إدارة ترامب لفرض عقوبات اضافية على موسكو.
 
أما الرئيس الصيني شي جين بينغ، فإنه بين المطرقة والسندان – مطرقة ترامب وسندان الحزب الحاكم والمؤسسة العسكرية الصينية التي لا تريد للرئيس الصيني التنازل أمام الرئيس الأميركي. وهو بدوره قد يضّطر الى التغيّب عن أوساكا بدلاً من المغامرة بمواجهة. فالجميع في تأهّب أمّا للتّموضع في قمة العشرين أو لإملاء أمرٍ واقع عليها على نسق استفزاز عملٍ عسكري في منطقة الخليج تحديداً في قنوات الملاحة الدولية في مضيق هرمز.
 
قبل أسبوعين، وتحت عنوان "هذا شهر محوري في مستقبل الموازين الجغرافية – السياسية"، أدرج هذا المقال إجراءات تنوي الولايات المتحدة اتخاها نحو تركيا مُرفقة بإنذار الى الرئيس أردوغان بأنه معرّض للاستغناء عنه إذا عاند على صفقة S-400 بتلميحات عن دور المؤسسة العسكرية التركية في مسألة انتماء تركيا الى حلف الناتو. هذا الأسبوع، تحرّك مجلس النواب الأميركي بإجماع لافت على قرار طالَب أردوغان أن يلغي الصفقة مع روسيا ودانها.
 
واشنطن أوقفت تدريب الطيارين الأتراك على مقاتلة F-35 بعدما أبلغ باتريك شاناهان، القائم بأعمال وزير الدفاع الأميركي، نظيره التركي أن في وسع الطيارين البقاء في الولايات المتحدة فقط حتى نهاية تموز (يوليو). أي، ان واشنطن أمهلت أنقرة حتى نهاية الشهر المقبل للتراجع عن الصفقة لاستئناف التدريب. فالإنذار واضح. في ذهن إدارة ترامب فرض عقوبات ستشكّل ضربة جديدة لاقتصاد تركيا الذي يعاني من الركود، وفي ذهن المؤسسة العسكرية الأميركية الإيحاء لنظيرتها التركية أن مستقبل استمرار انتماء تركيا الى حلف شمال الأطلسي في يديها.
 
أردوغان، في خطاب متلفز، الأربعاء تحدَّث بِلُغة أمله بإقناع واشنطن بعدم إيقاف تركيا من المشاركة في مشروع مقاتلات F-35 وقال انه سيسعى للحصول على أجوبة عن "استبعاد تركيا" لأسباب "ليس لها أي أساس منطقي أو مشروع" متظاهراً أنه بريء من أية أسباب. هذه الأساليب لن تجدي في واشنطن إذ ان الكونغرس ووزارة الدفاع والبيت الأبيض على موقفٍ صارمٍ في منع أردوغان من تعريض حلف الناتو للاختراق الروسي، مهما كان الثمن.
 
بالنسبة لموضوع إيران، تراجعت حدّة الحملات التي اتهمت دونالد ترامب بأنه هو الذي يقرع طبول الحرب بعدما أوضح الرئيس الأميركي رغبته في التفاوض مع طهران، واستعداده للقاء نظيره الإيراني، ودعمه لمبادرات الوساطة بالذات تلك التي قام بها رئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي، في زيارة غير مسبوقة له الى طهران واجتماعه مع المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله علي خامنئي. استراتيجية ترامب اتخذت سكّتين متوازيتين: تشديد العقوبات وتشريع أبواب المباحثات. بالمقابل، تمسّكت طهران بمبدأ رفض التعاطي مع الرئيس دونالد ترامب من جهة، وفتحت النافذة على امكانية بدء الحديث معه شرط أن يتوقف عن شد الخناق ويجمّد العقوبات الاقتصادية والنفطية والبتروكيمائية وغيرها.
 
ما قاله خامنئي الى آبي أثناء لقائهما بحسب مقطع فيديو مقتضب بثّه التلفزيون الرسمي الإيراني هو أن ترامب "لا يستحق أن نتبادل رسائل معه" و"لا اعتبر ترامب شخصاً يستحق تبادل الرسائل معه. ليس لدي رد له، ولن أرد عليه". رفض مرشد الجمهورية لرسائل الرئيس الأميركي الداعية الى الحوار والتفاوض مؤشر واضح على أهم المواقف الإيرانية.
 
آبي، وهو أول رئيس وزراء ياباني يزور الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي ولّدتها الثورة الإسلامية عام 1979، اجتمع مع الرئيس حسن روحاني حاملاً الى طهران دعوة "الاضطلاع بِدور بنّاء في الشرق الأوسط"، ومشدداً على أنه "لا أحد يرغب في حرب. واليابان تأمل بالقيام بدور طلائعي في خفض التوتر" في منطقة الخليج وبين الولايات المتحدة وإيران. روحاني رد على آبي بأن "جذور" التوتر هي "الحرب الاقتصادية الأميركية ضد إيران" وانه "حين تتوقف هذه الحرب، سنرى تطوّراً إيجابياً جداً في المنطقة وفي العالم".
 
وراء الكواليس، كثر الكلام عن لقاء بين ترامب وروحاني على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك شهر أيلول (سبتمبر) وكلام آخر عن عقد هذا اللقاء آخر الشهر الجاري في أوساكا. هناك مصادر تتوقع نجاح هذه الجهود سيما وأن الرئيس الأميركي لا يريد أن يتم استدراجه الى مواجهة عسكرية مع إيران. مصادر أخرى ترى أن عقد ذلك اللقاء يكاد يكون مستحيلاً بسبب التصعيد الميداني بما في ذلك ضد ناقلات النفط في بحر عمان وبسبب الترتيبات العملية لدعوة روحاني الى قمة أوساكا.
 
على صعيد الترتيبات العمليّة، لن يتمكّن آبي من تقديم مقعد لروحاني في الصف الأول في قمة العشرين المحجوز للدول الأعضاء في المجموعة. وقد لا يتمكّن روحاني من الموافقة على أن يكون في الصف الثاني من أجل لقاء ترامب. قد يكون ورد في ذهن اليابان تخصيص جلسة خاصة يتحدّث فيها روحاني ليتواجد في أوساكا ويتم اللقاء مع ترامب، لكن استهداف ناقلة نفط الى اليابان حمّلت واشنطن مسؤوليته لطهران سكب بعض الماء على اندفاع اليابان الى لعب دور بين الولايات المتحدة وإيران وأثار الغضب في طوكيو الحسّاسة جداً نحو أية مسألة ذات علاقة بالأمن.
 
استهداف ناقلة النفط الى اليابان الذي تزامن مع زيارة رئيس الوزراء بمهمّة ترطيب الأجواء الأميركية – الإيرانية له أبعاده ورسائله السياسية. الشق "المدني" من الحكم في إيران المتمثّل بالرئاسة ووزارة الخارجية اعتبر الاتهامات الأميركية على لسان وزير الخارجية مايك بومبيو "مقاربة عدائية تشكّل تهديداً خطيراً للاستقرار في المنطقة والعالم" وهي "مثيرة للقلق"، حسب تعبير روحاني. لكن الشق العسكري والمتشدّد الذي يمثّله مرشد الجمهورية و"الحرس الثوري" هو المتّهم، وهو الجهة التي ترفض التجاوب مع دعوة الرئيس الأميركي الى الحوار لأنها ترى في قواعد وأجندا الحوار احتواءً لمشروع النظام الحاكم، الداخلي والإقليمي، وإبطالاً للمنطق الوجودي للنظام. الرسالة الى اليابان أتت عبر استهداف الناقلة وعنوانها ان مساعيها الحميدة مرفوضة.
 
القرار الذي اتخذته القيادة الإيرانية على أعلى المستويات عَرضه هذا المقال قبل شهر بعنوان "طهران اتخذت قرار التهوّر الاستراتيجي والصفقة السرّية في بالها"، خلاصته العزم على استهداف الناقلات ومصافي النفط والمواقع الحساسة السعودية والإماراتية من أجل دفع الولايات المتحدة الى "الخط الأحمر" لتستدرجها الى عمل عسكري. رهانها هو امّا على تراجع دونالد ترامب عن استراتيجية خنق النظام اقتصادياً لإركاعه لأنه لن يريد المواجهة العسكرية، أو اجباره على العمل العسكري لحشد العاطفة القومية داخلياً للانقلاب على الاستياء المتزايد ولاحتواء التمرّد ضد النظام. رهان القيادة الإيرانية يقع على إعادة خلط الأوراق بما ينقذ النظام من الانهيار، ويعيد له هالة "الانتصار"، ويُطلق مفاوضات ثنائية سرّية تركّز على الاتفاق نووياً توافق واشنطن بموجبها على إستبعاد المشاريع الإيرانية الإقليمية عن المباحثات، مع الاعتذار.
 
بدأت طهران تنفيذ استراتيجيتها الاستفزازية بهجمات على أربع سفن قبالة إمارة الفجيرة خارج مضيق هرمز، سعودية ونروجية وإماراتية، قبل ثلاثة أسابيع أرفقتها بالعمليات الأخيرة في بحر عمان هذا الأسبوع. رافق ذلك هجمات للحوثيين على منشآت نفطية سعودية وعلى مطار أبها في جنوب السعودية.
 
اعلان وزير الخارجية الأميركي ان ايران "مسؤولة" عن استهداف ناقلتي النفط في بحر عمان بعد شهر من استهداف أربع سفن قبالة سواحل الإمارات لا يرتقي الى درجة انذار إيران باللغة التي تحدّث بها مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون قبل مجرد شهرين. دونالد ترامب وضع العصا في عجلة الاستعجال الى الرد العسكري الأميركي على الاستفزازات الإيرانية. وهو يريد استدعاء النظام في ايران الى الصفقة بدلاً من تلبية استدعاء النظام له الى المواجهة العسكرية. القيادة الإيرانية تشترط تجميد والغاء العقوبات التي يكثّفها الرئيس الأميركي على طهران كنقطة انطلاق الى التفاوض على صفقة ثنائية.
 
ظاهرياً، ليس هناك ما يكفي من قواسم مشتركة بين الموقفين للتوصّل الى الصفقة، ولا هناك مؤشرات على تراجع أي من الطرفين عن استراتيجيته. لذلك يبقى شبح المواجهة العسكرية مطروحاً جدّياً سيّما إذا أفرطت قيادة التشدّد الإيرانية في الرهان على استدراج القيادة الأميركية الى "الخط الأحمر".
 
 
       
 
 
Editor-in-Chief Fadi Derbas