" غصات " ربحي الأسير ونصار الشهيد 
 
العرب نيوز ( رؤوس - أقلام )  بقلم المحامي جواد بولس - وصلت القاعة رقم أربعة في مبنى محكمة العدل العليا الاسرائيلية وجلست في مقعدي أنتظر احضار الأسير ربحي شهوان ودخول القضاة لتبدأ مناقشة التماسي بالافراج عنه ، بعد أن أمضى في السجن الاداري مدة عام ونصف من دون أن يحقق معه ومن دون أن تقدم بحقه لائحة اتهام ، وذلك على الرغم من أن المخابرات أدعت، حين أصدرت بحقه بتاريخ 25/1/2018 أمر الاعتقال الأول، على أنه مقرب من خلية تابعة لتنظيم داعش، كانت نشطت في مسجد القرية .
 
كنت متأكدا من النتيجة. لكنني كنت مصرا أكثر على مواجهة القضاة لكي أقول لهم ما سبق وقلته لمن سبقوهم منذ أربعة عقود ، كنت فيها شاهدا على تيه الفلسطيني في غابة الزمن المتوحش ، بينما كانوا هم قناصة الأمل وصيادي الفرائس العاجزة .
 
بجانبي جلست دانة، حامية الوعد ووريثة الهم المشتهى، كانت هادئة كعادتها لكنها لم تخف مشاعرها ازاء المكان وأصحابه ، فهي ترفض أن تقفو أثر جيلنا وهي معصوبة الأعين حتى لو قيل فيه ، كما أفهمتها ذات مرة، بأنه "أصبر على الذل من وتد ".
 
أدخلوا ربحي إلى القاعة محاطا بثلاثة سجانين فبدا بينهم كحمامة في قفص تحرسه وعول ، جسمه نحيل ووجهه أبيض يميل إلى صفرة الرمل وشعره منثور بإهمال مقصود كمن ترك بيته مسرعا للقاء حبيبة . رأيته مثل أبناء جيله، أولئك الذين يحبون مسلسلات "النتفلكس" ويتابعون مباريات التنس ومنافسات "جوكوفيتش وفيدرر ".
 
صافحته بحرارة وتلقيت منه أجابات واضحة على أسئلتي. سمعته واثقا وصادقا ونجحت مرة أو أكثر أن أرى ابتسامته تعلو وجهه الطفولي الذي لا يشي بسني عمره العشرين .
 
أخبرته أن نيابة الدولة اقترحت علي أن أسحب التماسي مقابل تعهدها بالافراج عنه بعد أربعة شهور لكنني رفضت عرضها وجئت اليوم كي "أقاتلهم" من أجل تحريره الفوري. أحسست أنه لم يستوعب المشهد بشكل دقيق، فسألني عن والديه وعن عالمه الصغير لأنه مقطوع عن الدنيا ويقضي أيامه في جناح الأسرى الفتحاويين في سجن النقب الصحراوي .
 
قرر القضاة، ربما لحظي، أن يفتتحوا نهارهم بمناقشة ملفي، وربما لأنهم أرادوا "غربلتي" بسرعة كي يعودوا إلى ما يهمهم أكثر ويشعرهم بكونهم قضاة لا مجرد سيافي ورود وحفاري وجع .
 
أعرف أنهم لا يحبون سماع ما سأقول، لكنهم يعرفون، بالمقابل، أنني لن اتنازل عما جئت من أجله، فلقد تخطيت، من زمن، تلك المرحلة التي كانوا يستقوون فيها على كياستي ويسكتوني بعصا "حكمتهم" المدعاة .
 
وقفت أمامهم في تلك الردهة الضيقة التي أرضها من حق صلب ومن وجع المقموعين ، كان صدري مدفوعا نحوهم ومنه يضوع عطر كرامات المظلموين ويصرخ من حنجرتي ضمير التاريخ الذي يئدونه على مذابح عدلهم الأكتع . كنت أرى الظلم ينثال من مآقيهم وأشعر بالبرودة تسيل من وجوههم صوبي ، لكنني وقفت هناك على حافة الضوء كمن "رماه الدهر بالأرزاء" طودا لا يضيره "تكسر النصال على النصال"، وبدأت مرافعتي .
 
"هل قرأت ما كتبت نيابة الدولة في ردها على التماسك سيد بولس فلماذا لا تقبله وننتهي من هذه القضية ؟" - قاطعني بصوت خفيض ورزين القاضي عميت رئيس الهيئة، متوقعا أن أقبل "نصيحته" المؤدبة .
 
رفضتها لأنها بالنسبة لموكلي ليست إلا كرما أسود، فربحي، الذي جئت اليوم مستنصرا له، قد دفع من حياته سنة ونصف من دون أن يعرف تهمته وبدون أن يعطى فرصة ليدافع عن نفسه . لقد اعتقل قبل أن يكمل عقده الثاني، وزج به غضا في صحراء سادتها الرمل والغبار اللذين سينسيانه حتما معنى السذاجة والنقاء ؛ فهناك لا ينجو الا من يتخذ الخشونة مهجعا والضراوة وسيلة للحياة .
 
تحاول القاضية الجالسة على يمين رئيس الجلسه، أن تسكتني وتقترح علي أن ينتقلوا مباشرة لمعاينة ما يسمونه "الملف السري" كي يستطيعوا اصدار قرارهم بسرعة .
 
  أقاطعها، بغضب واضح، مؤكدا رفضي لطريقتهم في معالجة هذه القضايا. فلجوؤهم الروبوتي الى ذلك "الملف السحري" لا يعني إلا استسلامهم أمام سطوة "الأمن" المغلق وإلغاء دورهم كقضاة تأتيهم الناس طلبا للعدل وللإنصاف .
 
أمضي في مرافعتي وأسأل لماذا لم يحقق مع الأسير بما ينسب إليه من شبهات ؟ وكيف يستطيع هو وأمثاله بأن يثبتوا أنهم أبرياء؟ وكيف لي كمحام ان أقنعكم بأن الاعتقال الادراي لم يعد أصلا لمثل هذه الحالات وهو في عرف الانسانية وسيلة قمعية مرفوضة لا يلجأ اليها النظام الا في حالات نادرة واستثنائية قصوى ؟ 
 
كنت مسترسلا إلى أن تدخل القاضي مزوز محاولا اسكاتي واقناعي برأيه بأن في بعض الحالات لا داعي للتحقيق مع الأسير فقد تكون الأمور واضحة لا تحتاج إلى مزيد من الفحص والتدقيق . أقاطعة بتنهيدة صاخبة ومستهجنة متسائلا باشمئزاز: كيف لقاض أن يتفوه بمثل هذا الموقف فحتى نيابة الدولة تخجل أن تدعي ذلك ، فكيف لك أن تتبنى موقفا نيابيا أكثر من النيابة "؟
 
انتظرت، للحظة، متوقعا أن ينتهر "وقاحتي" لكنه لم يفعل اذ مال عليه رئيس الجلسة ووشوشه فصمت حتى نهاية الجلسة .
 
ورفعت الجلسة. لم يفاجئني قرارهم الذي صدر آخر النهار، فأنا جاهز للضجر الأخضر، كابن الساقية، ولأنه "ما مر يوم أرتجي فيه راحة / فأخبره إلا بكيت فيه على أمسي ".
 
رفضوا التماسي بعد أن قرأوا بدقيقتين ملف الأسير السري فوجدوا بأن ربحي شهوان يشكل خطرا على أمن وسلامة الجمهور ، لكنهم وجدوا، كذلك، بقدرة لا يمتلكها الا الملائكة أو المبصرون، أن ذلك الخطر سينقطع بعد أربعة شهور، وعندها سوف يحرر ليعود إلى أهله حاملا شهادة الصحراء وليردد مع الدرويش ما علمته قوافي المعلقات ويقول "لا أرض تحملني، فيحملني كلامي طائرا متفرعا مني، ويبني عش رحلته أمامي في حطامي .. ".
 
ما أقرفهم! قالت يمامتي الصغيرة وكانت تداري غصة نفرت من عينها . ربت على عباءتها المضاءة بالنجوم وقلت، محاولا إخفاء غصتي، يا بنيتي: "ما العز إلا تحت أثواب الكد" وأنت ما زلت في بداية هذا الطريق الجبلي الوعر ، فصوني عبراتك للفرح واجعليها "بين الضلوع جذوة نار وخلال الأجفان مزنة ماء" ولا تهني بل أرقصي معها دائما عند حفاف القمر .
 
نصار
 
في التاسع عشر من حزيران المنصرم اقتحموا منزل العائلة في بلدة بيت فجار في محافظة بيت لحم واعتقلوه بعد أن حطموا الأثاث وزرعوا البيت خرابا ورعبا . وضعوه في زنزانة منفردة في معتقل الجلمة. مددوا توقيفه لسبعة أيام تلتها سبعة أخرى وهو ممنوع من لقاء محام .
 
في العاشر من تموز / يوليو الجاري طلبوا تمديد توقيفه لاثني عشر يوم في محكمة سالم العسكرية ، لكنهم لم يحضروه لأن وضعه الصحي لم يسمح بنقله من "سجن مجدو"، فقررت المحكمة اجراء الجلسة وسماع الطلب داخل السجن .
 
يكتب القاضي في محضر الجلسة، بأنه وجد الأسير، نصار طقاطقة، "ملقى على حمالة ولا يتفاعل معهم على الاطلاق ويضيف انه كان واعيا ". قرر القاضي تمديد توقيفه لثمانية أيام على أن يتم فحصه طبيا وذلك حتى موعد أقصاه السادس عشر من الشهر الجاري وفقا لانظمة مصلحة السجون .
 
في فجر السادس عشر استشهد نصار طقاطقة داخل سجون الاحتلال وهو في الثلاثين من عمره .
 
مع انتشار النبأ تواصلنا مع جميع الجهات وطالبنا تزويدنا بكل التفاصيل منذ يوم احتجازه الأول وحتى لحظة مماته ، كما وطالبنا بضرورة تشريح جثمانه بحضور طبيب فلسطيني .
 
لم يكن نصار أول شهيد يسقط وهو محتجز وراء قضبان القمع الاحتلالية ولن يكون آخرهم ، وليس من شأن هذه المقالة التوثيق لهذا التاريخ الدموي ولا الحديث عن مسؤولية السجان الاسرائيلي الذي لم يلاحق بسبب جرائمه ولم يعاقب عليها لغاية الآن . ما أثارني ودفعني لأكتب عن غصتي الحارقة في هذه المقالة هي دمعة أمه الثاكلة التي بكت بحرقة لم تبق حيا ينعم في سكينته .
 
لا أعرف كيف ستنتهي هذه القضية ومن سيدفع الثمن عن جريمة راح ضحيتها من أمسى شهيدا سيذهب ، كما تعد الرواية، مع رفاقه الشهداء إلى النوم ونحن نقول لهم "تصبحون على وطن من سحاب ومن شجر، من سراب ومن ماء .. فناموا لأحرس أحلامكم من خناجر حراسكم وانقلاب الكتاب على الانبياء ... "
 
ما أصعبها غصة، ما اقساها تضحية، ما أحلاها سرابا وأمنية .
 
  لم تنته الغضات ....