أوتوجراف أمانى
 
العرب نيوز (  رؤوس - اقلام ) بقلم د. نيفين مسعد - أهدتنى الصديقة العزيزة أمانى قنديل كتيبها الصغير الذى يحمل بعضا من ملامح سيرتها الذاتية وقالت لى «عندما تقرأيه ستتعرفين على»، واندهشت لسببين، السبب الأول لاسم الكتيب فعادة ما تحمل المذكرات الشخصية عناوين مثل الرحلة أو حياتى أو قصة فلان أو كتابى، فهذه العناوين تعنى أن القارئ سيرافق صاحب المذكرات منذ طفولته وحتى اللحظة التى قرر فيها أن يكشف فيها للعيان محتويات صندوقه الأسود، أما الأوتوجراف فإنه مخصص لتسجيل انطباعات الآخرين عن شخص معين، بعد عدة صفحات تبدد هذا اللبس ففى هذا الكتيب الصغير لا تسجل أمانى مذكراتها لكنها تكتب بعضا من ذكرياتها، وهناك فارق كبير بين الذكريات والمذكرات فالأولى جزء من الثانية، وهكذا بدت لى أمانى وكأنها قررت أن تأخذ خطوة للوراء وتنظر إلى تاريخها فتقتطف منه مواقف تهديها لنا، ولعلها المرة الوحيدة التى تأخذ فيها أمانى خطوة إلى الوراء.
 
أما السبب الثانى لدهشتى فهو أن أمانى افترضت أننى سأعرفها عند قراءة كتيبها وكأننى لا أعرفها من أكثر من ثلاثين عاما، لقد كنت فى البداية أعرفها مجرد اسم عندما كنت وغيرى نُعد رسائل الدكتوراه تحت إشراف الدكتور على الدين هلال فكان كثيرا ما يذكر لنا اسم أمانى قنديل طالبته المجتهدة جدا التى كان قد أشرف عليها أيضا، ثم عرفتها بعد ذلك شخصيا بحكم تقاطع المسارات وموضوعات الاهتمام والأصدقاء المشتركين، أما اللحظة التى صرنا فيها صديقتين فلا أضع يدى على تاريخها بالضبط، عموما القاعدة مع أمانى هى أن تعرفها يعنى بالضبط أن تصادقها فتلقائيتها تنسف بروتوكولات التعارف نسفا، وإن لم يسبق اسمك لقب يا حبيبى أو يا حبيبتى فى اللقاء الأول فموعدك معه بالتأكيد فى اللقاء الثانى. هكذا هى أمانى شخصية واضحةو قوية وناجحة وواثقة من نفسها وتلقائية واجتماعية، وتلك صفات كنت أعرفها فيها وترسخت بعد أن قلبت أوراق أوتوجرافها. مثلا كنت أعرف قوة أمانى وألمسها، لكنى لم أكن أعرف أن تغيير مسارها المهنى عدة مرات من العمل الإذاعى إلى العمل بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية إلى الاهتمام بالعمل الأهلى مؤسسيا وبحثيا لتصير كتبها هى المرجع بألف ولام التعريف الأهم فيه، لم أكن أعرف أن هذا التغيير كان إراديا، فكثير منا لا يصنع بدايات مشواره ولا يتحكم فى نهاياتها، لكن هى فعلت ذلك، وعندما كانت تقطع مع مرحلة لم تكن تعود إليها. هذه المعلومة عنها تفسر لى لماذا بعد أن استقالت من الإذاعة كانت ترفض تماما أن تمسك الميكرفون لتقدم فقرات بعض لقاءاتنا فى إطار كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، كنت أعجب لماذا وهى صاحبة الصوت العميق والإلقاء الجميل واللغة السليمة تضن علينا بهذه المجاملة، الآن فهمتُ، فهمتُ أنها لا تحب النظر للوراء ولعلها كانت أيضا تقاوم سحر الميكرفون، وإنه لساحر.
 
التمرد تلزمه القوة، ولذلك كان طريق أمانى مفروشا بالكثير من حركات التمرد، تمردَت على العمل الحكومى وتحررت من قيوده الإدارية، تمرَدَت على الحياة فى كنف الإخوة بعد وفاة والدتها وعاشت وحدها، تمردَت على مَثَل «ضل راجل ولا ضل حيطة» إلى أن أحست بالحب فأظلها الدكتور مختار بظله، تمردَت على حرمانها من أمومة الميلاد وصنعت بنفسها أمومتها لأبناء إخوتها وأصحابها وزملائها فتكونت قبيلة شيختها «ماما أمانى»، تمردَت على إغراء الاعتزال بعد أزمة صحية عنيفة هاجمتها فإذا هى تنتج كتابين جديدين بعدها، بل تمردَت على النكران الذى واجهته ممن انقطعت علاقة العمل معهم فراحت من جانبها تؤكد على علاقتها الوثيقة بسوزان مبارك وتسجل مواقف إيجابية جمعتهما معا.. وتلك شجاعة كبيرة تحسب لها .
 
هل يحب الرجل المرأة القوية؟ سؤال أثارته أمانى فى أوتوجرافها واستوقفنى، فالإجابة السهلة بالنفى، الرجل لا يحب المرأة القوية لأنه يعتبر نفسه مركز القوة ومصدر السلطة، لكن هذه الإجابة ليست هى الوحيدة فهناك الرجل الضعيف الذى يختفى خلف المرأة القوية، وهناك الرجل القوى الذى لا يشعر بتهديد المرأة القوية لأن لديه من فائض القوة ما يرضيه، وأظن علاقة أمانى بمختار من هذا النوع، وفيما يلى مثال. فى عام ١٩٩٧ كانت الطائرة التى تقل أمانى ومختار إلى بيروت مهددة بالسقوط فى البحر المتوسط وساد الهلع بين الركاب بل أصيبت المضيفة نفسها بالإغماء، وهنا أمسك مختار بيد أمانى وقال لها «لا تخافى..
 
 
اهدأى، لن نشعر بشىء، سوف نتعرض لهبوط حاد فى الدورة الدموية ولن نشعر بسقوط الطائرة، الحمد لله نحن معا»، فاستسلَمَت وأغمضت عينيها. أنا كقارئة عندما تخيلت الموقف كاد قلبى يتوقف، أما الزوج الطبيب فقد راح يحلل الموقف بهدووووء من الزاوية الفسيولوچية واقتنعت الزوجة بتحليله، يا الله منتهى قوة الأعصاب منه ومنها، وللقوة وجوه كثيرة.
 
هل قالت أمانى قنديل فى أوتوجرافها كل شىء؟ لا أعتقد فحجم الكتيب (١٠٤ صفحات من القطع الصغيرة) لا يسمح بذلك، كما أن ثراء حياة أمانى يستحيل أن يُختَزل فى هذه المواقف التى اختارتها لتشرك القارئ فيها رغم تنوعها من الأرچنتين لنيويورك لنيروبى لبغداد لطرابلس. إن علاقتها بالعمل العربى المشترك فى إطار المجلس العربى للطفولة والتنمية ثم فى إطار الشبكة العربية للمنظمات الأهلية تحتاج إلى توثيق، نشأتها الأولى وعلاقتها بأفراد أسرتها تحتاج لمزيد من التفصيل، حياتها الجامعية.. صداقاتها.. أسفارها.. أسرارها تحتاج إلى مُعلَقَة وليس فقط إلى أوتوجراف.
 
نريد يا أمانى أن نقرأ عنك أكثر بقلمك الرشيق، وأثق أن لديك كثيرا جدا يقال.