هل القطيعة المعرفية مع التراث ممكنة؟
 
العرب نيوز ( رؤوس - أقلام )  بقلم الكاتب والباحث جاد الكريم الجباعي - نشر موقع حفريات، بتاريخ 29 / 5 / 2018، حواراً مع الباحث المصري، المتخصص في الفكر الإسلامي وخطاب الجماعات الإسلامية، والأستاذ المشارك في علوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، الدكتور عبد الباسط هيكل، ذكر فيه الباحث أنّ مؤتمر جامعة الأزهر، الذي عُقد في آذار (مارس) 2018، تحت شعار: "قراءة التراث الإسلامي بين ضوابط الفهم وشطحات الوهم"، وما سبقه في مؤتمر "البناء المعرفي والأمن الفكري"، أعاد إلى الواجهة موقف الأزهر من محاولات قراءة التراث، الذي يظهر في استخدام دالّ (هو) "الأمن الفكري"، و"ضوابط الفهم وشطحات الوهم". وأنّ التوصيات، التي تبنّاها المؤتمر، ومنها تعريف التراث بأنّه "مجموع الذخيرة الحضارية للأمة الإسلامية، وذاكرتها الحافظة لتطور العلوم والمعارف والمناهج والعقول والثقافة والفنون"، أخرجت القرآن الكريم والسنة النبوية من التراث، فأسقطت بذلك القداسة عن التراث.
 
تبرز في هذا الحوار قضيتان مهمتان: الأولى هي قضية النصوص التأسيسية، هل هي من التراث أم هي نصوص مقدسة مستقلة عن التراث؟ يتوقف على هذه القضية جواز نقد التراث أو عدم جوازه، وحدود النقد، في حال جوازه، في نظر الأزهر بالطبع. وقد استنتج هيكل أنّ الأزهر صار يبيح نقد التراث، بعد أن أخرج منه القرآن الكريم والسنة النبوية، ولكنه؛ أي الأزهر، حدد شروط النقد وحدوده ومناهجه، ورفض إخضاع التراث لمناهج بحثية حديثة، رأى أنّها لا تتناسب مع طبيعة نصوص التراث". 
 
لم يلاحظ الدكتور هيكل أنّ إخراج القرآن الكريم والسنة النبوية من التراث يعني إخراجهما من "الذخيرة الحضارية للأمة الإسلامية، (ومن) ذاكرتها الحافظة لتطور العلوم والمعارف والمناهج والعقول  والثقافة والفنون"، حسب تعريف الأزهر نفسه للتراث. فلا نظن أنّ الأزهر يمكن أن يظل على موقفه إذا فكر في المسألة على هذا النحو، علاوة على أنّ إخراج القرآن الكريم والسنة النبوية من التراث متعذر أشد ما يكون التعذر. إذا أمكن إخراج القرآن الكريم والسنة النبوية من "التراث الإسلامي"، يكف التراث عن  كونه تراثاً إسلامياً، فيرتفع الحرج من نقده. الأزهر وهذه الحال لا يبيح نقد التراث الإسلامي إلا بعد تجريده من إسلاميته، وهذا محال. ومن ثم ينطبق على موقف الأزهر من نقد التراث الإسلامي قول الشاعر:
 
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء.
 
اقرأ أيضاً: التراث كعائق تاريخي: نظرة على الإحياء والتحديث الإسلامي
على أي حال، تحسب للأزهر دقته في تحديد التراث بأنه "التراث الإسلامي"، وهي دقة يفتقر إليها "المفكرون القوميون"، في العالم العربي، الذين يخلطون التراث الإسلامي بالتراث العربي، ويضمرون الحديث عن الأول حين يتحدثون عن الثاني، أو العكس، فيتماهى لديهم التراث العربي والتراث الإسلامي، وتتماهى لديهم العروبة والإسلام.
 
القضية الثانية هي إمكان أو عدم إمكان القطيعة المعرفية مع التراث: إذا كانت القطيعة غير ممكنة، ينتهي النقاش، وكفى الله المؤمنين شر التفكير. في هذه المسألة يبدو هيكل قاطعاً وجازماً بأنّه "لا يمكن إحداث قطيعة معرفية مع التراث؛ .. فنحن في التراث كما نحن في العالم، لا اختيار لنا معه ولا انفصال عنه"؛ .. فالماضي وإن كان قد انقطعت صيرورته ولم يعد فاعلاً، إلا أنّه مايزال  يتحرّك من خلالنا في وعينا به وتفاعله - إيجاباً أو سلباً - مع سعينا لبناء الحاضر واستشراف المستقبل، فمن الخطأ أن نظنّ أنّ التراث فحسب هو الذي يُؤثّر في الحاضر على نحو أحادي الاتجاه، بل الحاضر أيضاً يُؤثّر في التراث بالقدر نفسه؛ لأنّه ليس كياناً منفصلاً عنّا، بل نحن  مركز ذاك التراث نعيد تشكيله وفق الحاضر منه في عقولنا".
 
اقرأ أيضاً: مركزية السياسي في قراءة علي مبروك للتراث
تلفت النظر في هذا الاقتباس الطويل عدة أمور، أولها الجزم بعدم إمكانية القطيعة المعرفية مع التراث، وهو جزم يعيِّن الموقع الأيديولوجي الذي اختاره الباحث، وهذا حقه وشأنه، ولا يسعنا إلا احترامه. لكن الجزم مجاف لمنطق الحوار والنقاش ومجاف للتفكير الحر، وينم على امتلاك ناصية الحقيقة، لا سيما أن القطيعة حاصلة بالفعل، منذ زمن غير قصير، لكن الباحث لا يعترف بذلك. لقد حدثت القطيعة بالفعل، منذ دخلت الحداثة إلى ثقافتنا، وإلى عالمنا، مع تشكل أجنِّة المجتمعات المدنية والدول الحديثة، على الرغم مما لهذه المجتمعات والدول وما عليها.
 
اقرأ أيضاً: مفهوم التراث عند مهدي عامل: المعرفة ضد الخصوصية
لا نجادل في واقع أنّ غالبية النخب العربية تشارك الدكتور هيكل رأيه وموقفه، وأنّ الموروث الديني خاصة عابر للمكان والزمان، ويحظى بالتقدير والتقديس. ولكننا نزعم أن التراث أشمل من التراث الديني، وهذا أشمل من التراث الإسلامي، والتراث الإسلامي هو بالأحرى تراثات؛ لأن الإسلام إسلامات. ونزعم أن  قلة من المسلمين عامة، ومن العرب المسلمين خاصة تعرف شيئاً عن الخوارج مثلاً أو عن المرجئة أو المعتزلة أو عن التصوف العقلي، أو عن الفلاسفة المسلمين وعلماء الكلام ... إلخ. إضافة إلى أنّ التراث المسيطر على عقول أكثرية المسلمين من العرب خاصة هو التراث الإسلامي المملوكي – العثماني.
 
اقرأ أيضاً: إشكاليات منهجية في قراءة طه عبد الرحمن للتراث
المشكلة أنّ القطيعة التي وصفناها فوق هي قطيعة انقصافية، ونأي عن الثقافة عموماً، لا عن التراث فقط، وجمود معرفي وانحطاط أخلاقي، لا قطيعة معرفية وأخلاقية، تجعل من مسائل التراث مسائل لمعرفة حديثة ومعاصرة، تنبثق منها أسئلة حديثة ومعاصرة، بقدر ما تنطوي مسائل التراث المعنية على بعد إنساني عام، وبقدر ما ينطوي التراث المعني نفسه على بعد إنساني عام.
 
الأمر الثاني الذي يلفت النظر هو المطابقة بين التراث وبين الماضي، الذي "انقطعت صيرورته"، حسب تعبير الدكتور هيكل، مع أنّ التراث شيء والماضي شيء آخر مختلف كلياً، حتى ليمكن القول إنّ الماضي ليس صفة للتراث. والصيرورة، كالنهر، لا تتوقف ولا تنقطع، وإن اعترضتها سدود وحواجز، الصيرورة كالنهر الذي "لا يمكن أن نسبح فيه مرتين".
 
اقرأ أيضاً: علي فخرو: التراث الفقهي الإسلامي ليس مقدّساً
الصيرورة ذاتها انقطاعُ كينونةٍ عن كينونةٍ سابقة، والكينونة، في العرف الفلسفي، لحظة من لحظات الصيرورة. الصيروة مصدر الفعل صار، الذي يعني التغير والتحول أو الصَّيْر. كل كائن ناتج وصائر (الكائن الإنساني مثال ساطع على ذلك).
 
أما الأمر الثالث مما يلفت النظر في حوار الدكتور هيكل فهو قوله: "نحن في التراث كما نحن في العالم، لا اختيار لنا معه ولا انفصال عنه"، هذا يشبه موقف محمد عابد الجابري، الذي شبه التراث بالقميص لا اختيار لنا معه، يمكن أن نجدده ولكننا لا نستغني عنه.
 
لا يمكن التفكير في الديمقراطية وحرية الفرد وحقوق الإنسان مثلاً دون قطيعة معرفية وأخلاقية مع التراثات المختلفة والمتخالفة
عبارة العالم في نص هيكل تشبه عبارة القميص في نص الجابري، وتعني أنّ القميص شيء مختلف عن الجسد، والتراث شيء مختلف عن العالم. تشبيه علاقة الإنسان بالتراث بعلاقته بالعالم ممكنة فقط حين يكون المقصود أنّ التراث من إنتاجنا نحن، هنا والآن، مثلما العالم من إنتاجنا نحن، هنا والآن، (أم العالم شيء منجز ونهائي، لا نعرف كيف أنجز ولا نعرف من أنجزه؟!). التراث ليس ذاكرة وليس متحفاً أو أرشيفاً. التراث هو ما نستعمله أو نستهلكه بهذه الكيفية أو تلك وعلى هذا الوجه أو ذاك: إما على وجه الاستظهار والتكرار والاجترار، وإما على وجه الفهم والتمثل والنقد، فيكون التراث، من ثم، يكون التراث هو ما ننتجه*. هذا يؤكد مرة أخرى أن التراث شيء والماضي شيء آخر. إن كيفية استهلاكنا للتراث هي التي تحدد كيفية إنتاجنا للثقافة. هذه مسألة لم يتوقف عندها المولعون بالتراث من السلفيين والأصوليين، ومنهم الجابري.
 
اقرأ أيضاً: مذبحة التراث على يد الإسلامويين
 
في ضوء ما تقدم، يمكن القول: القطيعة الانقصافية مع التراث حاصلة منذ زمن بعيد، والقطيعة المعرفية والأخلاقية، التي تعني نقد التراث برمّته، واجبة دوماً؛ لأنها عملية مفتوحة دوماً. لا يمكن التفكير في الديمقراطية وحرية الفرد وحقوق الإنسان، على سبيل المثال، أو في الحرية والمساواة والعدالة من دون قطيعة معرفية وأخلاقية مع التراثات المختلفة والمتخالفة، بصفتها الثقافات السائدة في مجتمعات متنثِّرة، لا تتشارك في المعاني والرموز والقيم.